عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

339

اللباب في علوم الكتاب

ظُهُورِها » مثل ضربه اللّه تعالى ، وليس المراد ظاهره وتفسيره أنّ الطريق المستقيم هو الطريق المعلوم ، وهو أن يستدلّ بالمعلوم على المظنون ، ولا ينعكس . وإذا عرف هذا ، فنقول : ثبت بالدلائل أن للعالم صانعا ، مختارا ، حكيما ، وثبت أنّ الحكيم لا يفعل إلّا الصّواب البريء عن العبث والسّفه . وإذا عرفنا ذلك ، وعرفنا أنّ اختلاف أحوال القمر في النّور من فعله علمنا أنّ فيه حكمة ومصلحة ، لأنّا علمنا أنّ الحكيم لا يفعل إلّا الحكمة ، واستدللنا بالمعلوم على المجهول ، فأمّا أن يستدلّ بعدم علمنا بالحكمة فيه على أنّ فاعله ليس بحكيم ، فهو استدلال باطل ؛ لأنّه استدلال بالمجهول على القدح في المعلوم ، وإذا عرف هذا ، فالمراد من قوله تعالى : « لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها » يعني : أنّكم لمّا لم تعلموا الحكمة في اختلاف نور القمر ، صرتم شاكّين في حكمة الخالق ، وقد أتيتم الشيء من غير طريق ه « إنّما البرّ ان تأتوا البيوت من أبوابها » وتستدلّوا بالمعلوم المتيقّن ، وهو حكمة خالقها على هذا المجهول ، وتقطعوا بأنّ فيه حكمة بالغة ، وإن كنتم لا تعلمونها . فجعل إتيان البيوت من ظهورها كناية عن العدول عن الطّريق الصحيح ؛ وإتيانها من أبوابها كناية عن التّمسّك بالطّريق المستقيم ، وهذا طريق مشهور في الكناية ؛ فإنّ من أرشد غيره إلى الصّواب ، يقول له : ينبغي أن تأتي الأمر من بابه ، وفي ضدّه قالوا : ذهب إلى الشيء من غير بابه ، قال تعالى فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [ آل عمران : 187 ] وقال عزّ من قائل : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا [ هود : 92 ] وهذا تأويل المتكلّمين . قال ابن الخطيب « 1 » : ولا يصحّ تفسير هذه الآية ؛ لأنّ الوجه الأوّل يغيّر نسق الترتيب ، وكلام اللّه تعالى منزّه عن ذلك . الوجه الثالث : قال أبو مسلم « 2 » : إن المراد من هذه الآية ما كانوا يعملونه من النسيء ؛ فإنهم كانوا يخرجون الحجّ عن وقته الّذي عينه اللّه تعالى لهم ، فيحرّمون الحلال ، ويحلّون الحرام ، فذكر إتيان البيوت من ظهورها مثلا لمخالفة الواجب في الحجّ وشهوره . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 190 إلى 193 ] وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 190 ) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 191 ) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 192 ) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) قوله تعالى : فِي سَبِيلِ اللَّهِ متعلّق ب « قاتلوا » على أحد معنيين : إمّا أن تقدّر

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الرازي 5 / 108 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 108 .